يحيي بن حمزة العلوي اليمني
190
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
ليس كناية ، ويدخل فيه اللفظ المتواطئ ، كرجل ، وفرس ، واللفظ المشترك كقولنا قرء ، وشفق ، فإنهما دالان على معنيين ، وقولنا مختلفين ، يخرج عنه المتواطئ ، فإن دلالته على أمور متماثلة ، وقولنا حقيقة ومجاز ، يحترز به عن اللفظ المشترك ، فإن دلالته على ما يدل عليه من المعاني على جهة الحقيقة لا غير ، وقولنا من غير واسطة ، يحترز به عن التشبيه ، فإنه لا بد فيه من أداة التشبيه ، 7 ما ظاهرة كقولك زيد كالأسد ، وإما مضمرة ، كقولك زيد البحر ، وقولنا على جهة التصريح ، يحترز به عن الاستعارة ، فإن دلالتها على ما تدل عليه من جهة صريحها ، إما من غير قرينة ، كدلالة الأسد على الحيوان ، وإما مع القرينة كدلالة الأسد على الشجاع ، فكلاهما مفهوم من جهة التصريح ، بخلاف الكناية فإن الجماع ليس صريحا من قوله تعالى : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ [ البقرة : 223 ] وإنما هو مفهوم على جهة التبع كما دلت عليه بحقيقتها فهذا هو الحد الصالح لتقرير ماهية الكناية . تنبيه اعلم أن أكثر علماء البيان على عد الكناية من أنواع المجاز خلافا لابن الخطيب الرازي ، فإنه أنكر كونها مجازا ، وزعم أن الكناية عبارة عن أن تذكر لفظة وتفيد بمعناها معنى ثانيا هو المقصود ، فإذا كنت تفيد المقصود بمعنى اللفظ ، وجب أن يكون معناه معتبرا فيما نقلت اللفظة إليه عن موضوعها . فلا يكون مجازا ، ومثاله على زعمه أنك إذا قلت فلان كثير رماد القدر ، فإنك تريد أن تجعل حقيقة كثرة الرماد دليلا على كونه جوادا ، فأنت قد استعملت هذه اللفظة في الأصلي وغرضك في إفادة كونه كثير الرماد معنى يلزم الأول ، وهو الكرم ، فإذا وجب في الكناية اعتبار معناها الأصلي لم يكن مجازا أصلا . هذا ملخص كلامه في كتابه نهاية الإيجاز ، وهو فاسد لأمرين ، أما أولا فلأن حقيقة المجاز ، ما دل على معنى ، خلاف ما دل عليه بأصل وضعه ، في قوله تعالى : أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ [ النساء : 43 ] فإن الحقيقة في الملامسة هي مماسة الجسد للجسد ، ودلالة المماسة على الجماع ليس بأصل الوضع ، وهذه هي فائدة المجاز ، وأما ثانيا فلأن الكناية قد دلت على معناها اللغوي الذي وضعت من أجله ، فبعد ذلك لا يخلو حالها ، إما أن تدل على معنى مخالف لما دلت عليه بالوضع أم لا ، فإن لم تدل فلا معنى للكناية ، وإن دلت عليه وجب القول بكونه مجازا ، لما كان مخالفا لما دلت عليه بالوضع ، والعجب من ابن الخطيب حيث أنكر كون الكناية مجازا ،